يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة، التي تعيش تحت وطأة حصار قاسٍ، ولقد طالت ويلات هذه الحرب الوحشية كافة مناحي الحياة، بما في ذلك التعليم، ومع استمرار تدهور البنية التحتية، والقصف المباشر للمدارس والجامعات، تحوّل التعليم إلى معركة يومية يواجهها الطلاب في غزة.
كيف يمكن لأمة أن تنهض دون تعليم؟ وكيف لأطفال محاصرين أن يبنوا مستقبلهم في ظل الدمار؟ في غزة، تبدو هذه الأسئلة أكثر من مجرد تأملات؛ إنها واقع يومي، يدركها الاحتلال جيدًا فيعمل على تدمير مستقبل الطلاب وسدّ طريق التعليم أمامهم.
تحديات التعليم تحت الحرب والحصار في غزة
واجه قطاع التعليم في غزة منذ سنوات طويلة تحديات جسيمة، تفاقمت بفعل الحرب الوحشية المستمرة، والاعتداءات العسكرية المتكررة، ورغم أن التعليم يعد من أهم حقوق الإنسان الأساسية، فإن الواقع على الأرض يُظهر صراعًا في سبيل تحصيل المعرفة وسط ظروف غير إنسانية.
فالمدارس تعاني من نقص في المعدات والقرطاسية، والمختبرات تفتقر للأدوات الأساسية، والطلاب لا يحصلون على فرص كافية للاطلاع على العالم الخارجي أو المشاركة في برامج تبادل ثقافي وتعليمي، كل ذلك كان قبل الحرب، أما الآن فاختفت المدارس وباتت مركز إيواء يستهدفها الاحتلال كلما أحبّ ذلك.
وبسبب الانقطاع التام للكهرباء والإنترنت، لم يعد بإمكان الطلاب المشاركة في الدروس الإلكترونية أو الوصول إلى مصادر المعرفة الحديثة، ما يجعل التعلم عن بُعد أو حتى المراجعة المنزلية شيئًا مصعبًا وربما مستحيلًا.
إضافةً إلى أن الدمار الواسع للبنية التحتية للمدارس والجامعات، أدى إلى تعطيل العملية التعليمية العالية، وقد يتطلب إعادة بناء هذه المؤسسات سنوات طويلة من الجهود والمساعدات الدولية، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع التعليمي
تسببت الحرب في تهديدات مستمرة لأرواح الطلاب والمعلمين، وقد يؤدي هذا إلى حالة من الخوف والذعر، ما يؤثر سلبًا على قدرة الطلاب على التركيز في دراستهم، كما أن التنقل بين المدارس يصبح محفوفًا بالمخاطر في ظل الوضع الأمني المتأزم.
كما ويعاني العديد من العائلات في غزة من التشرد والنزوح بسبب القصف وتدمير المنازل، وهذا يتسبب في تحويل الكثير من الطلاب إلى لاجئين داخل وطنهم، ما يؤدي إلى اضطراب في حياتهم اليومية والتعليمية، فالحرب في غزة لا تدمّر المدارس فقط، بل تسرق من الأطفال أحلامهم وفرصهم.
وقد يضطر العديد من الطلاب إلى التوقف عن الدراسة أو الانتقال إلى مدارس جديدة، ما يؤثر على استقرارهم النفسي وتحصيلهم العلمي، إضافةً إلى القلق والتوتر اللذين يؤثران بعمق على صحتهم النفسية والعقلية.
ثمّ إن التعرض المتكرر للعنف والمشاهد الدموية يولد لدى الطلاب، اضطرابات نفسية قد تكون لها آثار طويلة المدى، وعلى الرغم من وجود بعض البرامج النفسية لمساعدة الأطفال، فإن الواقع الصعب غالبًا ما يعيق هذه الجهود.
يواجه المعلمون في غزة تحديات ضخمة بسبب نقص الموارد التعليمية وغياب الدعم النفسي والتقني، كما أنهم يتعرضون لضغوط كبيرة، من حيث استمرار التدريس رغم الظروف الصعبة، وتوفير بيئة تعليمية آمنة للطلاب وسط العدوان المستمر.
وخلال العدوان الإسرائيلي الحالي، تم استهداف كافة جامعات قطاع غزة، وقتلت القوات الإسرائيلية ما يزيد عن 6000 طالب وطالبة و100 أستاذ جامعي، وفي ظل هذه الظروف المأساوية، حُرم الطلبة الجامعيون في قطاع غزة من حقهم في التعليم على مدى السنة وشهرين الماضية.
لا يمكن إغفال أن التعليم في غزة يعاني من ظروف قاسية نتيجة الحروب المستمرة، ولكن تظل الإرادة والتحدي جزءًا أساسيًا من مقاومة هذا الواقع الصعب
دور التعليم في تمكين الشباب الغزي
إن التعليم في غزة، أحد أعمدة البناء والتمكين في مجتمع محاصر لا تتوقف الحروب في توجيه ضرباتها ضده، بل يعد التعليم السلاح الأقوى للشباب الغزي في معركة الحياة، وتمكين جيلٍ كامل من استعادة دوره في المجتمع، وصناعة مستقبل باهر لغزة وأهلها.
يمنح التعليم الشباب في غزة وعيًا بذواتهم وبقضيتهم، ويُرسّخ الهوية الوطنية والثقافية في نفوسهم، فالمؤسسات التعليمية لا تكتفي بتقديم المناهج، بل تُسهم في غرس قيم الانتماء، والحرية، والمشاركة المجتمعية.
وفي ظل نسبة بطالة مرتفعة بين صفوف الخريجين، بات من الضروري توجيه التعليم نحو المهارات التطبيقية والتقنية، فالتعليم المهني والتقني، إلى جانب ريادة الأعمال، يمكّن الشباب من خلق فرص عمل ذاتية، بدلًا من انتظار الوظائف النادرة.
وإن تمكين الشباب الغزي عبر التعليم لا يعني فقط تأهيلهم لسوق العمل، بل يتجاوز ذلك ليشمل تأهيلهم ليكونوا قادة، وبناة مجتمع، وصانعي قرار، بل كل شاب يمتلك معرفة ومهارات، هو مشروع تغيير، وأمل جديد لغزة
أفضل المنظمات الداعمة للتعليم في غزة
تلعب العديد من المنظمات المحلية والدولية دورًا مهمًا في تقديم الدعم والمساعدة، سواء من خلال بناء المدارس، أو توفير الأدوات التعليمية، أو تدريب المعلمين، أو تقديم منح دراسية، ومن أبرز هذه المنظمات، “الأونروا” إذ تعتبر أكبر جهة مشغّلة للمدارس في قطاع غزة، وتدير مئات المدارس.
تدعم منظمة “اليونيسف” التعليم الطارئ في غزة في ظل الحرب، وتحاول توفير بيئة تعليمية آمنة، ودعم نفسي اجتماعي للأطفال، وإصلاح المدارس وتوزيع مستلزماتٍ تعليمية.
“منظمة التعليم” من أجل التوظيف، تربط التعليم بسوق العمل، وتقدّم برامج تدريب مهني وتقني لطلاب الجامعات والخرجين، إضافة إلى أن مؤسسة “الإغاثة الإسلامية” تسهم بمنحٍ دراسية وتساهم في بناء المدارس وترميمها، وتنفيذ مشاريع لتطوير التعليم المهني والتقني.
تركز جمعية “أنقذوا الأطفال” على توفير التعليم في حالات الطوارئ، وإدارة مشاريع لدعم الأطفال المتأثرين بالصدمات الناتجة عن الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهناك العديد من المنظمات المحلية التي تركز على تطوير الإبداع والابتكار في التعليم
كيف ندعم التعليم في غزة؟
تتعدد سُبل دعم التعليم، بدءًا من المبادرات المحلية وصولًا إلى المنح الدراسية الدولية، إذ تُقدّم بعض المؤسسات برامج لدعم الطلبة الجامعيين في غزة، وتقدّم منح دراسية للطلبة المتميزين وذوي الدخل المحدود، مثل جمعية “إسناد” وجمعية “أحباء غزة”.
وفي ظل تدمير البنية التحتية التعليمية، أطلقت شركة “جو أكاديمي” الأردنية مبادرة لتوفير محتوى تعليمي مجاني لطلاب غزة، إذ تم إنتاج محتوى تعليمي لجميع المواد الدراسية بالتعاون مع معلمين أردنيين، ويشمل الصفوف من الأول الابتدائي حتى التوجيهي، بهدف تمكين أكثر من 650 ألف طالب من متابعة دراستهم.
وكانت جامعة النجاح الوطنية، قد أطلقت مبادرة “التعليم الممانع” التي تهدف إلى تمكين طلبة غزة من استكمال تعليمهم الجامعي إلكترونيًا كطلبة زائرين لفترة محدودة، دون أن يتحمل الطالب أو جامعته تكاليف مالية.
كما أطلقت مبادرة أخرى بالشراكة مع اتحاد الجامعات المتوسطية وصندوق دعم الطالب الفلسطيني، تهدف إلى توفير التعليم عن بُعد للطلبة الجامعيين في القطاع.
ويمكن للمواطنين والمؤسسات المشاركة في دعم التعليم، التطوع بتقديم الدروس الخصوصية، وتنظيم ورش عمل تعليمية، أو تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب المتضررين، وتوفير كتب المدرسية، حواسيب، أو توفير الإنترنت للطلاب المحتاجين.
دعم التعليم في غزة ليس فقط مسؤولية المؤسسات، بل هو واجب إنساني يقع على عاتق الجميع، من خلال التبرعات، التطوع، ونشر الوعي، يمكننا جميعًا المساهمة في بناء مستقبل أفضل لأطفال وشباب غزة
رغم الحرب والحصار، يبقى الأمل في غزة، متجذرًا في قلوب أبنائها، فمدارس غزة لم تكن يومًا مجرد جدران، بل مصنع علمٍ ومستقبل، وتظل جامعات غزة كذلك منارة للتعليم العالي في العالم، يبقى الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الحقيقي في إعادة بناء غزة وتمكين جيل يرفع قضيتها عاليًا.