بين الألم والحرمان يعيش أطفال غزة، محرومين من أبسط حقوقهم في الحياة، مجرّدين من طفولتهم، مُرتدين عُمرًا أكبر من عمرهم، وسط الدمار المستمر نتيجة حرب الإبادة المستمرة في عامها الثاني، يُصبح دعم أطفال غزة نفسيًا وضروريًا لا خيارًا، لمسة حنان، لحظة ترفيه، أو مبادرة مجتمعية قادرة على إعادة بسمة أطفال غزة، ورسم فرحة صغيرة على وجوههم المُتعبة.
- الدعم النفسي والاجتماعي
تحت قصفٍ مستمر وفقدٍ متكرر وحرمانٍ أبسط مقومات الحياة، هكذا يعيش أطفال غزة منذ قرابة العامين، فالحرب لم تكتفِ بما فعلته في الأجساد، بل أنهكت نفوس الأطفال، سرقت النوم من أعينهم، والفرح من أيامهم، فأصبحوا بحاجة إلى دعمٍ نفسي واجتماعي يُعيد لهم شيئًا من براءة طفولتهم ومن أمانهم المسلوب.
منذ فبراير 2024، قدّمت منظمة اليونسكو الدعم النفسي والاجتماعي لأكثر من 1,580 طفلاً نازحًا في خان يونس ورفح، بالتعاون مع مركز إبداع المعلم، في مبادرةٍ تسعى لإعادة بناء الثقة والأمان في نفوس الأطفال، وفي ظل استمرار الحرب تشير تقارير اليونيسيف إلى أن ما يقرب 1.2 مليون طفل في غزة بحاجة ماسة إلى دعمٍ نفسي واجتماعي؛ نتيجة تعرضهم لصدماتٍ متكررة وفقدان الأمان.
- جلسات تفريغ نفسي للأطفال المتضررين
تعتبر جلسات التفريغ النفسي للأطفال فرصة للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، سواء بالكلمات أو الأنشطة الترفيهية، بعيدًا عن صوت القصف ومشاهد الفقد والحرمان وصور الدماء والدماء التي باتت تلازمهم في كل مكان، فبعد أن كانوا في يومٍ من الأيام يحلُمون باللعب والفرح لا أكثر، باتوا يحملون على عاتبهم أعباء نفسية ثقيلة تتجاوزُ أعمارهم، وبهذا الصدد تأتي أهمية جلسات التفريغ النفسي التي أصبحت ضرورة عاجلة لمساعدة الأطفال على تجاوز الصدمات.
في ظل استمرار الحرب على غزة أُطلقت مبادرات متعددة تستهدف الأطفال المتضررين في الحرب، تضمنت الأنشطة “اللعب، الرسم، مسرح الدمى، والأنشطة التفاعلية“، بهدف تخفيف آثار الحرب على أطفال غزة، فمثل هذه الجلسات تعتبر جزءًا من جهود دعم الأطفال وإعادة بسمتهم المفقودة.
- توفير مساحات آمنة للتعبير عن المشاعر
ما خلّفته حرب الإبادة من آثارٍ مدمرة على أطفال غزة، أصبح توفير مساحات آمنة للتعبير عن المشاعر أمرًا بالغ الأهمية، فهؤلاء الأطفال يعيشون تحت وطأة الحرب والخوف والموت والدمار، بحاجة ملحة إلى بيئات تساعدهم على الإفراج عن أحزانهم وألمهم بطريقة عفوية من خلال الأنشطة الترفيهية والمجتمعية التي تساعدهم في عملية الشفاء النفسي، وإعادة بناء الطمأنينة في نفوسهم من خلال الدعم النفسي، وبحسب تقارير صادرة عن منظمة إنقاذ الطفل فإن توفير مساحات آمنة للأطفال لا يقتصر على تقديم الدعم النفسي لهم، بل تعزيز قدرتهم على التكيف مع الظروف القاسية التي يتعرضون لها بشكلٍ يومي.
- توفير فرص تعليمية بديلة
منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، تعرضت العملية التعليمية لدمار واسع، حيث دمّر الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 90% من الصروح التعليمية، مما حرم أكثر من 625 ألف طالب في غزة من حقهم في التعليم، في مواجهة هذه الكارثة، ظهرت العديد من المبادرات التعليمية البديلة التي تهدف إلى دعم أطفال غزة ومساعدتهم على الانخراط في التعليم بعيدًا عن وابل القصف وحمم الموت اليومية.
في أغسطس الماضي أطلقت وكالة الأونروا برنامج “العودة إلى التعلم”، الذي عمل على تقديم أنشطة ترفيهية وتعليمية للأطفال النازحين، إلى جانبِ قيام وزارة التربية والتعليم بإنشاء مشروع “الخيام التعليمية“ في المخيمات والمناطق المتضررة، لتوفير بيئة تعليمية آمنة للأطفال الذين حُرموا من مدارسهم وحقهم في التعليم، وبالتالي فإن توفير فرص تعليمية بديلة لا يكون مقتصرًا على مساعدة أطفال غزة مواصلة تعليمهم، بل خطوة مهمة نحو دعم نفسي، وتعزيز رعاية صحية وتعليمية لهم.
ورغم الجهود المبذولة، إلا أن عمل كهذا لا يخلو من العراقيل والتحديات التي تقف عائقًا أمام تنفيذ هذه المشاريع، فالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تحد من القدرة على الوصول الآمن إلى المناطق المصنفة بالخطيرة على سكان القطاع، إلى جانب الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية، لا سيّما المدارس والجامعات والمعاهد؛ لذلك فإن تنفيذ مشاريع تعليمية لم يعد مجرد مسألة أكاديمية، بل ضرورة إنسانية لإنقاذ أجيالٍ من الضياع.
عامٌ ونصف من الحرب، حرمت أطفال غزة من أبسط حقوقهم في الحياة، وسلبت منهم طفولتهم البريئة، ولم تمنحهم فرصة للراحة واللعب أو التعليم، بل أصبحوا ينفذون أعمالاً تفوق أعمارهم، لم يتخيلوا ولو للحظة أن يمروا بتلك القسوة، فأصبح من الضروري إعادة دمجهم في الحياة المجتمعية، لتخفيف آثار الصدمة عنهم.