حين تتكاثر الجراح وتشتد المحن في غزة، نكون نحن الصوت الذي لا يصمت، واليد التي لا تتأخر، والرحمة التي تعبر الحصار

معلومات التواصل

فلسطين غزة +97 (056) - 613 - 6638 info@laaith.org

في قلب الكارثة الإنسانية التي تعصف بقطاع غزة، يعيش آلاف النازحين واقعًا مأساويًا داخل خيام لا تصلح للسكن الآدمي، ومع غياب البنية التحتية الأساسية وتراكم النفايات، أصبح الذباب سيد المكان، ناقلًا معه الأمراض الوبائية، وعلى رأسها مرض التيفوئيد.

كيف تؤثر ظروف المعيشية في المخيمات على صحة النازحين؟

في المخيمات، يعيش عدد كبير من الأشخاص في مساحة جدًا، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية بسرعة مثل التيفوئيد، والأمراض الجلدية، والجرب، وصعوبة تطبيق إجراءات النظافة الشخصية مما يضاعف احتمالات العدوى.

كما يؤدي إلى نقص المياه النظيفة والصرف الصحي، قلة المياه الصالحة للشرب تجبر السكان على استخدام مصادر ملوثة مما يسبب أمراضًا خطيرة، مثل الكوليرا، التهاب الكبد الوبائي أ، وغياب دورات المياه الآمنة يزيد من تلوث البيئة وانتشار الجراثيم والطفليليات.

كما يفتقر معظم النازحين إلى الغذاء المتوازن والغني بالعناصر الأساسية، بل يعانون من سوء التغذية ونقص الغذاء، مما يؤدي إلى ضعف المناعة، زيادة معدلات فقر الدم وسوء التغذية، وتأخر الشفاء من الأمراض وزيادة قابلية الإصابة بمضاعفات خطيرة.

وعادة ما تكون المخيمات بعيدةً عن المراكز الصحية أو لا تحتوي على عيادات كافية، وقلّة الأدوية والمستلزمات الطبية تجعل علاج الأمراض البسيطة تحديًا قد ينتهي بمآسٍ.

الأطفال والنساء في المخيمات: الفئات الأكثر تضررًا صحيًا

في مخيمات النزوح، يكون الأطفال والنساء هم الأكثر هشاشة في مواجهة الظروف الصحية القاسية، بين سوء التغذية وانعدام النظافة، ونقص الرعاية الصحية، تتعرض هذه الفئات لمخاطر مضاعفة تهدد حياتهم يوميًا.

حيث يعاني الأطفال من أمراضٍ وجوع وخطر دائم، إذ يسبب سوء التغذية الحاد نمو عقلي بدني غير طبيعي، وتتسبب قلة النظافة في انتشار الأمراض المعدية مثل الالتهابات التنفسية والتيفوئيد، وأمراضٍ نفسية شائعة بين الأطفال كذلك.

أما النساء، فتكون ما بين حملٍ مرهق وأمومة محفوفة بالخطر، حيث تعاني من صعوبة الحصول على الرعاية الصحية مما يؤدي إلى مضاعفات أثناء الحمل والولادة، ونقص الغذاء المتوزان يهدد صحة الأمهات والأجنة.

وتزيد المخيمات من ارتفاع معدلات فقر الدم نتيجة سوء التغذية، مما يزيد مضاعفات الحمل والولادة، وضغوط نفسية هائلة بسبب فقدان الأمان وقلة الموارد واضطرار النساء لتحمل أعباء إضافية في بيئة قاسية.

ويعيش نحو مليوني نازح داخل المخيمات ومراكز الإيواء في قطاع غزة، في ظروف معيشية قاسية، ووسط خطر الإصابة بالأمراض والأوبئة.

أكثر الأمراض شيوعًا في المخيمات وطرق الوقاية منها

إن الأمراض المعدية تفتك بسكان قطاع غزة، نتيجة الطقس الرطب والاكتظاظ في مراكز الإيواء، والغذاء الشحيح والمياه القذرة وقلة الدواء، وخيارات العلاج للذين أصيبوا بالأمراض المعدية محدودة للغاية، حيث اكتظت المستشفيات بالجرحى المصابين في الغارات الجوية الإسرائيلية.

ومن أبرز الأمراض المنتشرة في المخيمات، الكوليرا بسبب تلوث المياه والطعام، وسوء النظافة الشخصية، ويمكن الوقاية منها بشرب المياه النظيفة والمعقمة، غسل اليدين بالصابون، والحفاظ _قدر المستطاع_ على نظافة الطعام وأواني الطهي.

كما وتكثر التهابات الجهاز التنفسي (مثل الالتهاب الرئوي والإنفلونزا) بسبب الهواء الملوث، ضعف التهوية، الاكتظاظ وضعف المناعة، ويمكن الوقاية منها من خلال تهوية الخيام والمساكن جيدًا، ارتداء الملابس المناسبة في الأجواء الباردة، عزل المرضى عن الآخرين.

الكثير من الأمراض الأخرى وجدت الخيام بيئة خصبة للتكاثر كالقمل والجرب، سبب قلة النظافة الشخصية، استخدام الأغطية أو الملابس المشتركة وغيرها من الأمراض الجلدية المعدية التي تسببت بها بيئة الخيم الممرضة.

ومع ارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ السكاني في خيام النزوح وتراكم مياه الصرف الصحي، تنتشر الحشرات التي تنقل الأمراض والعدوى وتؤدي للوفاة بين الأطفال أو مشكلات صحية لكبار السن تتطلب عمليات بتر للأطراف أحيانًا.

هل تكفي جهود الإغاثة الطبية في الحد من تفشي الأمراض؟

تُعد الإغاثة الطبية من أبرز أشكال التدخل العاجل لإنقاذ الأرواح والحد من انتشار الأمراض، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تكفي هذه الجهود فعلًا في وقف تفشي الأوبئة داخل المخيمات ومناطق النزوح؟

تبذل المنظمات الإنسانية جهودًا جبّارة في توفير الرعاية الطبية الأساسية والإنسانية، مثل منظمة الصحة العالمية والهلال الأحمر وأطباء بلا حدود، من خلال توزيع الأدوية، وإنشاء نقاط طبية متنقلة، وإطلاق حملات تلقيح طارئة لمواجهة الأمراض المعدية.

لكن أغلب هذه الجهود، تتركّز على العلاج لا الوقاية، بينما الوقاية تتطلب تغييرات في السلوك والبيئة، كما تكون هذه الإغاثة غالبًا قصيرة الأمد، في حين أن الأمراض تحتاج إلى خطط طويلة المدى للحد منها.

بمعنى أنه رغم أهمية الجهود الطبية الإغاثية ودورها الحيوي، فإنها وحدها لا تكفي للحد من تفشي الأمراض في البيئات الهشة مثل المخيمات، الحل يكمن في العمل المتكامل، والانتقال من الإغاثة المؤقتة إلى التنمية الصحية المستدامة.