حين تتكاثر الجراح وتشتد المحن في غزة، نكون نحن الصوت الذي لا يصمت، واليد التي لا تتأخر، والرحمة التي تعبر الحصار

معلومات التواصل

فلسطين غزة +97 (056) - 613 - 6638 info@laaith.org

في قلب قطاع غزة، حيث الحرب لا تطرق الأبواب بل تقتحمها بلا استئذان، يعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مخيمات نزوح مؤقتة تحولت إلى مأوى دائم للمعاناة والانتظار، “الخيمة” أصبحت عنوانًا لحياة مشروخة بالحرمان، تصرخ تحتها الأرواح طلبًا للنجاة والكرامة.

أطفال بلا طفولة: كيف يعيش الصغار داخل المخيمات؟

منذ بداية النزوح القسري، انقطعت مئات آلاف الأطفال عن مدارسهم، كثير من المدارس تحولت إلى مراكز إيواء، والبنية التحتية التعليمية مدمرة، التعليم توقف، والطفل الذي كان يحلم بأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا، بات همه الوحيد النجاة من يومٍ آخر.

اللعب، هذه المساحة الطبيعية التي يفرّغ فيها الطفل طاقته، أصبح ترفًا لا يُتاح لهؤلاء الصغار، ساحات المخيمات ضيقة، والخطر يحيط بهم من كل جانب، اللعب داخل الخيمة محفوف بالضيق، وخارجها محفوف بالخطر، تحولت الضحكات إلى صمت، والمراجيح إلى ذكريات.

يُعاني كثير من الأطفال من صدمات نفسية حادة بسبب المشاهد الدامية التي عاشوها خلال النزوح، منازل مدمّرة، أقارب فقدوهم، وأصوات انفجارات لا تُنسى، تقول إحدى الأمهات: “ابني لم يتكلم منذ أن قصف بيت جده أمام عينيه، فقط ينظر في الفراغ”.

الأطفال يعانون من الخوف، الأرق، ونوبات الهلع، في ظل غياب شبه تام للدعم النفسي المتخصص.

في ظل غياب الآباء أو مرضهم أو استشهادهم، يتحمل الأطفال أعباءً لا تناسب أعمارهم، طفل لم يتجاوز العاشرة يُساعد والدته في توزيع الطعام، وآخر يملأ أوعية المياه من مسافات بعيدة، وثالث يعتني بأشقائه الأصغر، الطفولة تُنتزع من جذورها، ويُجبر الصغير على أن يكبر قبل أوانه.

إن حماية الأطفال داخل مخيمات النزوح ليست ترفًا إنسانيًا، بل واجب أخلاقي وقانوني، الأطفال يحتاجون إلى، برامج دعم نفسي عاجلة، أماكن آمنة للعب، عودة عاجلة للتعليم ولو بوسائل بديلة، وحماية من الاستغلال والعنف.

الأطفال داخل المخيمات لا يفتقدون فقط المنزل، بل يفتقدون حياتهم نفسها، كل يوم يمرّ، يُبعدهم أكثر عن طفولتهم، إنقاذهم ليس مجرد تقديم مساعدات، بل إعادة حقهم في أن يكونوا فقط أطفالًا.

حر وجوع وخوف: يوميات النازحين تحت الخيام

في قلب معاناة ممتدة، يعيش النازحون الفلسطينيون في غزة تحت خيام مهترئة لا تقي من حرّ الشمس الحارقة ولا من الجوع الموجع ولا من الخوف الدائم، فكانت الخيام مشاهد متكررة من الألم، تسطرها الأيام والليالي القاسية بلا رحمة ولا نهاية تلوح في الأفق.

مع ساعات الفجر الأولى، تبدأ معاناة العائلات في المخيم، يخرج الأطفال والرجال بحثًا عن الماء من صهاريج متنقلة أو مصادر ملوثة.

بينما تظل النساء يحاولن تأمين وجبة بسيطة من الطحين أو المعلبات. الحرارة تبدأ مبكرًا، والشمس تصبح عدوًا لا يرحم تحت قماش الخيمة الذي يتحول إلى فرن من لهيب.

وجبة الإفطار غالبًا ما تكون مجرد قطعة خبز يابسة أو علبة تونة تُقتسم على أفراد العائلة، لا مطبخ، لا غاز، لا ثلاجة، فقط أدوات بسيطة تُستخدم فوق الحصى، في كثير من الأيام، لا يوجد طعام يُذكر، فيكتفون بالماء أو الشاي إن توفّر.

في منتصف النهار، تصبح الخيمة مكانًا لا يُطاق، لا مراوح، لا تهوية، الأطفال يُصابون بالإغماء، وكبار السن يلهثون تحت وطأة الجو الخانق، الجوع يقرص البطون، والمساعدات لا تصل بانتظام.

مع غروب الشمس، لا يهدأ المخيم، بل تبدأ جولة جديدة من الخوف، لا كهرباء، فقط بعض المصابيح الصغيرة أو الشموع.

صوت الطائرات يحوم في السماء، وأي انفجار في مكان قريب يوقظ الصغار وهم يصرخون، لا نوم هادئ، ولا لحظة أمان.

تبدأ العائلات بترتيب فرش النوم على الأرض الترابية، الناموس والحشرات تهاجم الأطفال، والبرد يتسلل رغم حرارة النهار، لا أحد يعرف ماذا سيحمل الغد: قصف؟ مجاعة؟ مرض؟ كل شيء ممكن، وكل شيء مخيف.

النساء في المخيمات.. معاناة مضاعفة تحت النزوح

فقد كثير من النساء أزواجهن بسبب الحرب، فأصبحن المعيل الوحيد لأسرهن، فقد تضطر بعضهن إلى الوقوف في طوابير طويلة للحصول على الطعام والماء، أو البحث عن الحطب لطهي ما تيسر لأطفالهن.

في غياب بيئة آمنة وداعمة، تتحمل المرأة مسؤوليات تفوق طاقتها، في وقت تعاني فيه من أزمات نفسية وصحية هي الأخرى.

الخيمة التي تؤوي الأسرة ليست مكانًا للراحة، بل مساحة ضيقة بلا أبواب أو جدران، لا خصوصية فيها للنساء، خصوصًا فيما يتعلق بالنظافة الشخصية، أو رعاية الأطفال، أو حتى تغيير الملابس.

النساء الحوامل والمرضعات يواجهن وضعًا أكثر خطورة، حيث لا توجد رعاية طبية كافية، ولا تغذية مناسبة، ولا دعم نفسي.

كثير منهن يلدن في ظروف قاسية، بلا طبيب ولا تعقيم، وهو ما يعرض حياتهن وحياة أطفالهن للخطر.

ورغم هذا الواقع المظلم، فإن النساء في مخيمات النزوح لا يرفعن الراية البيضاء، تجدهن يُنظمن الصفوف، يوزعن الطعام، يُربّين الأطفال، ويدعمن بعضهن البعض.

بعضهن يحاولن إنشاء مساحات آمنة أو تقديم دعم نفسي لنساء أخريات، في بادرة أمل صغيرة داخل بحر من الألم.

ما الذي يحتاجه النازحون الآن؟

أول ما يحتاجه النازحون هو مأوى آمن ولائق آلاف العائلات تقيم تحت خيام مهترئة لا توفر الحماية من الحر أو البرد، وغالبًا ما تفتقر للخصوصية، وهو ما يشكل عبئًا نفسيًا كبيرًا خاصة على النساء والأطفال.

هناك حاجة ماسة لتوفير خيام مقاومة للعوامل الجوية، أو وحدات سكنية مؤقتة أكثر أمانًا وخصوصية.

أما على صعيد الغذاء والماء، فإن الوضع كارثي، كثير من الأسر لا تجد ما تطعمه لأطفالها، بينما تعاني من شح شديد في المياه النظيفة.

يحتاج النازحون إلى وجبات غذائية منتظمة ومتوازنة، بالإضافة إلى مياه شرب آمنة وكافية لكل فرد يوميًا، فضلًا عن أدوات للطهي والحفظ.

وفي الجانب الصحي، تزداد الاحتياجات الطبية يومًا بعد يوم، في ظل ضعف النظام الصحي والافتقار للمرافق الطبية داخل المخيمات. يحتاج السكان إلى خدمات صحية ميدانية، أدوية للأمراض المزمنة، ورعاية خاصة للنساء الحوامل والمرضعات.

النظافة والصرف الصحي يمثلان تحديًا كبيرًا، حيث تنتشر الأمراض بسبب ضعف البنية التحتية وانعدام وسائل النظافة.

هناك ضرورة لتوفير حمامات آمنة ومنفصلة، ومستلزمات نظافة شخصية كالصابون والفوط الصحية وحفاضات الأطفال، مع أنظمة مناسبة للتخلص من النفايات.

إلى جانب الاحتياجات المادية، هناك جانب لا يقل أهمية وهو الدعم النفسي والاجتماعي يعيش الأطفال والنساء خاصة في حالات من التوتر والصدمة نتيجة الحرب والنزوح.

الحاجة ملحة إلى فرق دعم نفسي، وإنشاء مساحات آمنة للأطفال، ومراكز دعم مجتمعي تساعد على التكيف والتخفيف من الآثار النفسية.

التعليم أيضًا أحد أكثر الجوانب تضررًا، مع تدمير المدارس وتحول بعضها إلى ملاجئ، انقطع آلاف الأطفال عن التعليم، يحتاج هؤلاء إلى فرص بديلة للتعلم، سواء من خلال مراكز تعليم مؤقتة، أو دعم تعليمي رقمي، إلى جانب توفير المستلزمات الدراسية ودعم المعلمين.

يحتاج النازحون إلى الحماية، سواء من الاستغلال أو العنف، خاصة النساء والأطفال، يجب تسجيل النازحين بشكل منظم لضمان وصول المساعدات بعدل، ووضع آليات رقابة لمنع الانتهاكات، إضافة إلى ضمان حقهم في العودة الطوعية والآمنة إلى منازلهم متى توفرت الظروف.

مبادرات لدعم النازحين في غزة

رغم ظروف القصف والحصار، أظهر المجتمع الفلسطيني قدرًا كبيرًا من التضامن، فأنشأ العديد من المتطوعين مبادرات لتوزيع الوجبات الساخنة، وجمع الملابس والبطانيات، وتأمين المياه للمخيمات.

كما ظهرت حملات شبابية تنظّم أنشطة ترفيهية بسيطة للأطفال بهدف تخفيف الضغط النفسي، وكان لفريق ليث الإغاثي باعٌ طويل في إغاثة سكان شمال غزة، من خلال مبادرات فردية ومشاريع تتناول حاجة السكان بشكل أساسي.

الجمعيات الأهلية في غزة مثل “جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني” و”جمعية الإغاثة الطبية” تعمل ضمن إمكانياتها لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأساسية، والإسعافات الأولية، وتوزيع المساعدات الغذائية.

كما أطلقت بعض هذه المؤسسات مراكز مؤقتة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء والأطفال داخل المخيمات.

فلسطينيون في دول الشتات – من أوروبا إلى الأردن ولبنان – أطلقوا حملات لجمع التبرعات النقدية والعينية، تُرسل عبر منظمات موثوقة إلى الداخل.

وتنوّعت هذه المبادرات بين كفالات طبية وغذائية، وتوفير مستلزمات للأطفال، وإنشاء صناديق لدعم التعليم الطارئ.

بعض المنظمات الدولية مثل “الأونروا”، و”الصليب الأحمر”، و”أطباء بلا حدود”، تبذل جهودًا كبيرة رغم القيود الأمنية.

تشمل هذه الجهود توزيع المواد الغذائية، إقامة عيادات متنقلة، وتقديم الدعم النفسي. لكن هذه المبادرات تواجه تحديات كبيرة في التنقل، والحصول على التمويل، وضمان الوصول الآمن للمخيمات.

نشطاء ومتضامنون حول العالم أطلقوا حملات إلكترونية لجمع التبرعات والدعم، مستخدمين منصات التواصل، تركز هذه الحملات على تمويل مشاريع صغيرة مثل شراء خيام، مولدات كهرباء، أجهزة تنقية المياه، وحقائب مدرسية للأطفال.

وظهرت مبادرات محلية ودولية لإقامة مدارس مؤقتة أو فصول تعليمية صغيرة داخل المخيمات، بعض المعلمين المتطوعين أنشؤوا حلقات دراسية بسيطة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة، أو لتعويض ما فاتهم من المنهاج.

لا تزال صرخات النازحين تحت الخيام في غزة شاهدة على جرح مفتوح لا يندمل، مأساة مستمرة لا تكفي الكلمات لوصفها، لكنها تستصرخ ضمائر العالم بأن يتحرك، فغزة موطن لأرواح حقيقية تُحاصر في صمت.

إترك تعليقا