في الوقت الذي تتساقط فيه القنابل على أحياء غزة، وتتوالى مشاهد الفقد والنزوح والدمار، يرتفع مجددًا صوت الحقيقة الغائبة عن أولويات العالم الإنسان الغزّي لا يحتاج فقط إلى سقف يحميه، بل إلى من يُرمم داخله ما تهدم.
وفي خضم المعركة، وبين ركام البيوت والقلوب، تُطرح تساؤلات مصيرية: ما نفع إعادة البناء ما دام الإنسان محطمًا من الداخل؟ لماذا لا يُدرج التأهيل النفسي ضمن الضروريات، كما يُدرج الغذاء والدواء والإسعاف؟ وهل بالإمكان الحديث عن “إعمار” حقيقي، بينما الجراح النفسية تنزف بلا توقف.
التأثير النفسي للحرب المستمرة في غزة على المدنيين
تتجاوز آثار الحرب مجرد الدمار المادي لتُخلّف وراءها أزمة نفسية جماعية تعصف بكل فئات المجتمع، المدنيون، خاصة الأطفال والنساء، يعيشون في بيئة من الخوف المزمن، الترقب، والفقد المستمر، ما يؤدي إلى اضطرابات نفسية معقدة يصعب علاجها في ظل الحصار وقلة الإمكانيات.
يعاني كثير من سكان غزة من أعراض هذا اضطراب ما بعد الصدمة، ومنها الكوابيس، نوبات الهلع، وفرط الانتباه لأي صوت مفاجئ، خاصة الأطفال الذين عاشوا القصف مباشرة.
كما أن الشعور بفقدان الأمل، وعدم السيطرة على الحياة، والعجز أمام استمرار العنف، يُعمّق من حالات الاكتئاب الجماعي، خاصة لدى الناجين من فقدان أفراد عائلاتهم.
وكلما طال أمد الحرب، زادت شدة الأثر النفسي، وتعمّقت الجراح الداخلية، وأصبح التعافي منها أكثر صعوبة وتعقيدًا فالأشخاص لا يحصلون على فرصة للشفاء، بل تتكرر الصدمة وتترسخ في الذاكرة والسلوك.
أدوات التأهيل النفسي للأطفال والنازحين في غزة: ضرورة إنسانية تتجاوز حدود الإغاثة
في ظل الحرب المستمرة على غزة، لم يعد الدعم مقتصرًا على تأمين الغذاء والدواء والمأوى، بل أصبح الدعم النفسي للأطفال والنازحين حاجة ملحّة لا يمكن تأجيلها. يشكّل الأطفال ما يقارب نصف سكان القطاع، ما يجعلهم الفئة الأكثر هشاشة وتعرّضًا للصدمات النفسية. يعيش هؤلاء الصغار في بيئة مليئة بالخوف والقصف المستمر، وفي ظل فقدان المنازل والأهل والأمان، الأمر الذي يهدد مستقبلهم النفسي ويجعل التأهيل النفسي للأطفال في غزة ضرورة حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براءتهم واستقرارهم الداخلي.
من هنا ظهرت مجموعة أدوات نفسية بسيطة لكنها فعّالة، يستخدمها الأخصائيون والعاملون في المجال الإنساني وسط ظروف معقدة للغاية؛ فهي أدوات تقوم مقام العلاج المهني المكثف، لكنها مناسبة للبيئة الطارئة التي يعيش فيها النازحون.
أهمية الدعم النفسي للأطفال خلال الحرب
تُظهر تجارب الحروب حول العالم أن آثار الصدمة النفسية قد تستمر سنوات طويلة، وتترك ندوبًا عميقة على الأطفال. وفي غزة، تتضاعف هذه الآثار بسبب تكرار النزوح، وفقدان أفراد الأسرة، وانهيار الروتين اليومي الذي يشكّل ركيزة أساسية في استقرار الطفل النفسي.
الدعم النفسي هنا ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الأطفال من مشاكل طويلة الأمد مثل:
-
اضطرابات القلق والخوف.
-
كوابيس النوم والتبول اللاإرادي.
-
فقدان الشعور بالأمان.
-
السلوكيات العدوانية أو الانعزال.
-
صعوبات التعلم والتركيز.
-
الصدمة النفسية لدى الأطفال النازحين.
لذلك تُعَدّ البرامج النفسية داخل مراكز الإيواء في غزة أحد أهم عناصر الاستجابة الإنسانية، خصوصًا أن آلاف العائلات فقدت أماكنها الآمنة.
الرسم والتلوين: نافذة الطفل نحو التعبير عن مشاعره
يُعد الرسم والتلوين من أكثر الأدوات استخدامًا في التأهيل النفسي للأطفال في غزة. فالطفل لا يمتلك القدرة اللغوية الكاملة للتعبير عن خوفه وقلقه، لكنه يستطيع نقل عالمه الداخلي عبر الألوان والرموز.
لماذا يُعد الرسم أداة فعّالة؟
-
يساعد على تفريغ المشاعر السلبية المكبوتة.
-
يعطي الأخصائيين فرصة لفهم حالة الطفل دون أسئلة مباشرة قد تزعجه.
-
يخفف القلق ويمنح الطفل إحساسًا بالسيطرة على عالمه.
-
يوفّر لحظة هدوء في ظل الفوضى المستمرة.
تُقدَّم هذه الأنشطة في المدارس التي تحولت إلى ملاجئ، وفي الخيام التي تؤوي آلاف العائلات. وبالرغم من نقص الأدوات، يحرص العاملون على توفير أوراق وألوان بسيطة تُشكّل متنفسًا نفسيًا مهمًا للأطفال.
اللعب الجماعي: استعادة روح الانتماء رغم النزوح
يواجه الأطفال النازحون فقدانًا كبيرًا في الشعور بالانتماء بعد فقدان منازلهم وجيرانهم وأماكن لعبهم. هنا يأتي دور الألعاب الجماعية التي تُنظَّم داخل الملاجئ والمراكز المؤقتة.
فوائد اللعب الجماعي في بيئة الحرب:
-
تقليل مستويات التوتر والخوف.
-
تعزيز المهارات الاجتماعية والتواصل.
-
إعادة بناء الثقة والتعاون بين الأطفال.
-
خلق لحظات فرح حقيقية ومطلوبة وسط الألم.
يُشرف على هذه الأنشطة مختصون ومتطوعون، ويحرصون على اختيار ألعاب آمنة تناسب الأماكن الضيقة. وعادةً يبدأ الطفل بعد عدة جلسات باستعادة جزء من طاقته الإيجابية وشعوره بأنه ما زال طفلًا رغم كل ما يمر به.
القصص التفاعلية: العلاج الرمزي لمشاعر الخوف والصدمة
القصص التفاعلية تُعتبر من أدوات الدعم النفسي الأولي للأطفال لأنها تفتح بابًا للحوار بطريقة غير مباشرة. عندما يسمع الطفل قصة عن الخوف أو الشجاعة أو فقدان بيت، يشعر بأن مشاعره مفهومة ومشروعة.
كيف تساعد القصص في العلاج؟
-
تمنح الطفل القدرة على التعبير من خلال شخصيات القصة.
-
تبني مرونة نفسية مبكرة في مواجهة الصدمات.
-
تساعده على فهم مشاعره وربطها بالأحداث.
-
تخفف خوفه من المجهول عبر نماذج رمزية قريبة منه.
وغالبًا ما تُستخدم دمى بسيطة مصنوعة يدويًا لشدّ انتباه الأطفال، ولمنحهم شعورًا بالأمان أثناء الجلسة.
جلسات الإسعاف النفسي الأولي: تهدئة سريعة في بيئة خطرة
هذه الجلسات تُعتبر مرحلة أولى من الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في غزة. ينفذها مختصون مدربون على التعامل مع الأطفال في حالات الطوارئ.
ما الذي تتضمنه هذه الجلسات؟
-
تهدئة الطفل وطمأنته باستخدام صوت هادئ ولغة بسيطة.
-
إيضاح ما يحدث بطريقة غير مخيفة.
-
مساعدته على تنظيم تنفسه وتقليل التوتر.
-
تشجيعه على التعبير عن مشاعره دون ضغط.
-
استخدام التواصل الجسدي الآمن مثل احتضان مطمئن.
يحتاج الأطفال في غزة إلى هذا النوع من الجلسات يوميًا تقريبًا، بسبب تكرار الصدمات وتواصل القصف ونقص الأمان في كل مكان.
تدريب الأهالي على الاحتواء النفسي
لا يمكن فصل الطفل عن بيئته. لذلك يُدرّب المختصون الأهالي على كيفية تقديم الدعم النفسي لأطفالهم خلال الحرب، رغم الظروف القاسية التي يعيشها الوالدان أنفسهم.
أبرز الإرشادات التي تُقدم للأهالي:
-
تجنّب الحديث الدائم عن الخطر والموت أمام الأطفال.
-
محاولة خلق روتين بسيط مثل وقت ثابت للنوم أو اللعب.
-
الحفاظ على هدوء نبرة الصوت.
-
تقديم الحب والاحتواء اللفظي والجسدي.
-
منح الطفل فرصة للتحدث عن خوفه دون السخرية منه.
-
تجنب إشراكه في تفاصيل مؤلمة لا يحتملها.
هذا التدريب يُعد عنصرًا أساسيًا في حماية الأطفال من الصدمة النفسية طويلة الأمد.
زوايا آمنة داخل الملاجئ: مساحة صغيرة وتأثير كبير:
رغم ازدحام الملاجئ بالنازحين، تُخصّص بعض المؤسسات الإنسانية زوايا صغيرة تكون مساحة بديلة للطفل المصاب بالاضطرابات النفسية.
مميزات هذه الزوايا:
-
أجواء هادئة وألوان مريحة.
-
ألعاب بسيطة وأدوات رسم.
-
مكان يشعر فيه الطفل بالخصوصية والطمأنينة.
-
بيئة تساعد على الجلسات النفسية الفردية أو الجماعية.
هذه المساحات الصغيرة تصبح ملاذًا للأطفال، وتمنحهم شعورًا بالاستقرار وسط واقع مليء بالخوف والضجيج.
تحديات التأهيل النفسي في غزة:
تنفيذ هذه الأدوات ليس سهلًا أبدًا. العاملون في الميدان يواجهون ظروفًا شديدة الخطورة:
-
استمرار القصف.
-
نزوح متكرر للعائلات والمختصين أنفسهم.
-
انقطاع الكهرباء والمياه.
-
نقص الأدوات الأساسية للدعم النفسي.
-
اكتظاظ الملاجئ وصعوبة الوصول للأطفال.
ومع ذلك، يواصلون عملهم يوميًا، مدفوعين بإيمانهم بأن التأخر في التدخل النفسي قد يترك أثرًا يستمر مدى الحياة.
ما بعد الحرب: إعادة بناء الإنسان قبل المكان
قد يتوقف القصف يومًا ما، لكن الألم النفسي لا يتوقف بمجرد نهاية الحرب. يحتاج أطفال غزة إلى برامج طويلة الأمد لإعادة تأهيلهم، وإلى بيئة آمنة تسمح لهم باستعادة طفولتهم.
إعادة الإعمار الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان، من صحته النفسية وقدرته على النهوض من جديد. فمستقبل غزة لا يُبنى بالإسمنت وحده، بل ببناء أجيال قادرة على التعافي، وبحق الأطفال في أن يُشفى جرحهم الداخلي لا أن يُترك للنسيان.